عفيف الدين التلمساني

284

شرح مواقف النفري

لا تبصر غيرك أبدا ولا تخرج من الظلمة أبدا فإذا أخرجتك منها أريتك نفسي فرأيتني وإذا رأيتني فأنت أبعد الأبعدين ) . قلت : معنى قوله تعرفني ولا أعرفك : أي أنا وجود فأعرف وأنت عدم فلا تعرف . وقوله : فرأيت الحق يتعلق بثوبي ، أي بوجودي ولا يتعلق بي أي بحقيقتي فإنها عدم ، ثم قال هذه عبادتي أي شهود أني وجود وأنك عدم هو عبادتي . قوله : ومال ثوبي ، الميل هو العدول عن الطريق أي مال ثوبي إلى دعوى الأنانية لأنه وجود . قوله : وما ملت إلى دعوى الأنانية لأني عدم ، قال فلما مال ثوبي أي انتسبت إلى دعوى الأنانية وشهد العبد ذلك سهل عليه أن يلحظ الوجود الذي الأنانية بالحقيقة إنما هي له فقيل له في شهود ذلك : من أنا ؟ يعني أن الحق تعالى يقول له من أنا ؟ فلما شهد العبد الأنانية المطلقة والحقيقة المحققة آنذاك طوره طور كل شيء في عينه فهو قوله : فكسفت الشمس إلى آخره . ثم غشيت الظلمة كل شيء سواه ، ويعني بالظلمة العدم ، فكأنه قال انعدم في نظري كل شيء ثم صعق هو في نفسه وهو قوله : ولم تر عيني ولم تسمع أذني وبطل حسي . قال : وجاءني كل شيء وفي يده حربة ، وهذا المجيء معنوي : أي كلما حاولت اعتبار الأشياء ، والحالة هذه رأيتها كأن في أيديها حرابا ، يقولون لي اهرب إلى الظلمة فوقعت في الظلمة : أي في العدم أي شهدت أني عدم ، وهو معنى قوله : فوقعت في الظلمة فشهدت نفسي فقال لا تبصر غيرك أبدا ، ويعني بغيره الوجود وإلا فالحقائق كلها هي ذاته وهي عدم ، وقد رآها لكنها ليست غيره ؛ ومعنى قوله : لا تخرج من الظلمة أبدا ، أي لا تر نفسك أبدا إلا عدما فأما إذا أخرجه منها بإشهاده الوجود فقد أراد نفسه المقدسة ، لكن من حقيقة رؤيته إياه أن لا يرى نفسه ما دام يراه فحقيقته إذن هي أبعد الأبعدين ؛ لأن التجلي أفناها ، وما أفناه التجلي لن يعود أبدا . 45 - موقف العظمة قوله : ( أوقفني في العظمة وقال لي : لا يستحق أن يغضب غيري فلا تغضب أنت فإنك إن تغضب فتغضب وأنا لا أغضب فإن غضبت أذللتك لأن العزة لي وحدي ، فرأيت كل شيء قد دخل في الغضب ) .